الاتحاد الوطني لطلبة الإمارات - فرع الإمارات - » تعليمنا .. بين الإصلاح والتغريب





تعليمنا .. بين الإصلاح والتغريب
2 مارس 2005

ما إن انتهت أحداث 11 سبتمبر 2001 ، حتى هبت أعاصير الإصلاح على العالمين العربي والإسلامي لتعصف بهم ، فكانت أول أولويات الأجندة الأمريكية هي إصلاح العالمين العربي والإسلامي ، وكان من أهم ما شمله نداء الإصلاح هو التعليم عمومًا والتعليم الديني بشكل خاص ، ولذلك فقد بادرت الولايات المتحدة الأمريكية بطرح نظريات العولمة ، وأسست الولايات المتحدة الأمريكية مشروع مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط.

ووجهت أمريكا كل ما تملك من سهام في كنانتها على التعليم الديني ووصفته بأنه منبع الإرهاب في الشرق الأوسط والعالم ، ثم ها هي تخصص 145 مليون دولار من ميزانيتها لعام 2003 من أجل تشجيع التعليم العلماني – أطلقوا عليه اسم التعليم غير المتشدد – في الشرق الأوسط ، وأكدت الكثير من تصريحات المسؤولين الأمريكين ما ذكرناه ، ومنها آخر تصريح لـ “إليزابيث تشيني” والتي تشغل منصب نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط وتترأس في الوقت نفسه مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط ، صرحت وقالت: “إن إصلاح التعليم هو مفتاح محاربة الإرهاب”.
وبدأت مسيرة الإصلاح أو بالأحرى التغريب تخطو خطواتها الجريئة نحو التغيير ، فكما يقول الدكتور عبدالله النفيسي: “فمن فترة كانت منطقة الخليج ، بكل أسف تستقبل “إليزابيث تشيني” وكأنها فاتح للمستقبل؟ وباب إليه؟ وتظهر في المؤتمرات الصحفية لتقول: “أنا غير متزوجة، ولن أتزوج، فأنا سحاقية ، وسأظل إلى الموت سحاقية”! ، يستقبلها وزراء ومسئولون في دول الخليج، لتقول لهم: “يجب أن تعيدوا النظر في مناهجكم التعليمية، يجب أن لا تعلموا أولادكم هذا، ويجب أن تعلموا أولادكم هذا”، وطافت “ليز” على وزارات التربية والتعليم في دول مجلس التعاون الخليجي، والتقت بلجان المناهج، وقالت: هذا الكتاب يلغى وهذا يقرر! وأين أنتم من ثقافة المستقبل والحب والود بين الشعوب؟!وهذه الآيات في القرآن الكريم التي تتحدث عن اليهود آيات تبث الكراهية بين الشعوب، وبالتالي لا بد من إلغائها تماماً من الذاكرة العربية والإسلامية”.
وللأسف فقد مضي مسلسل التغريب حلقة إثر حلقة حتى في بلادنا الحبيبة ، دون أن نجد أي اتعراض أو انتقاد ، ففي خبر أوردته جريدة الخليج بتاريخ 25 يناير 2006 بعنوان “التربية تتجه إلى خفض حصص التربية الإسلامية واللغة العربية”، يذكر الخبر أنه خلال السنوات الماضية بدأ عدد حصص اللغة العربية - للتعليم الأساسي - في التناقص من 13 حصة حتى وصل إلى 8 حصص هذا العام لتخفض إلى 7 حصص العام القادم ، أما حصص التربية الإسلامية فقد خفضت من 5 إلى 4 حاليًا لتصبح 3 . (ولسان حالهم يقول : والثلاث كثير !! )
فكان لابد لنا من وقفة فاحصة ، نتفحص فيها دعوات الإصلاح هذه وما تابعها من تصريحات وإجراءات لا نجد لها مبرر ، أسئلة كثيرة يجب أن نجيب عليها حتى تتضح الحقيقة ، وينجلي الغبار ، ويتبين لنا هل ما تنادي به أمريكا وأذيالها هي دعوات إصلاح أم دعوات تخريب وتغريب ؟!
أولاً :
لماذا تثار مسألة إصلاح التعليم ابتداءً !لماذا لم تكن إصلاح الوضع السياسي والقهري في بعض الأقطار ؟! لماذا تكن إصلاح الإعلام ؟!لماذا لم تكن إصلاح الوضع الاجتماعي ؟!لماذا لم تكن إصلاح البنى التقليدية الموروثة من القبلية والعنصرية وغيرها ؟! ولماذا داخل التعليم لا نصلح المواد التي تبني العقلية مثل الرياضيات والعلوم ؟ لماذا يركز على التعليم الديني ومادة التربية الإسلامية ؟! لا أعتقد أنها مسألة عبثية ، وإنما تكمن في التالي:
لقد استطاع الغرب أن يسيطر على الأنظمة السياسية المتحكمة في العالم العربي والإسلامي بشكل لا يمكن تخيله، ولكن بقية عقبة واحدة في الطريق وهي الشعوب التي قد استعصت، فلو أخذنا مثلا مصر قد بدأت مشروع التطبيع مع الكيان الصيهيوني منذ فترة طويلة؟ ولكن هل تحقق التطبيع فعلا؟ طبعا لا. والذي أعاق عملية التطبيع هو الشعب، فالحكام فعلوا أكثر مما طلب منهم ولكن الشعب امتنع. الذي يمنعه إنما هي منظومة القيم الثقافية الإسلامية ، ولذلك فهي المستهدفة في مشروع الإصلاح المزعوم ، وإصلاح التعليم في منظور الغرب هو محاولة استبدال هذه القيم وتغييرها.
ومن جهة أخرى فإن أمريكا متبوعة بقوى الغرب أثارت مسألة إصلاح التعليم لأنهم لا يرغبون لنا في إصلاح سياسي تسقط به الدكتاتوريات، ولا يرغبون لنا بإصلاح سياسي تزول به هذه الحدود المفروضة، بل كل يوم نسمع عن خطط لمزيد من تقسيم أوصال هذه الأمة ، وهم كذلك لا يريدون لنا إصلاحا اقتصاديا يعالج مظاهر الفقر والجشع وإنما يراد تغيير ذلك القاسم المشترك الذي مازال يربط الأمة مشرقها إلى مغربها رغم حالة الاستبداد ورغم كل الأمراض ، وهي منظمة القيم والمبادئ الإسلامية المترسخة في النفوس ، لذلك فهم يعلمون بل ويصرحون أن معركتهم معنا ليست مع الإرهاب ، وإنما مع هذا الفكر الذي يمتد ويعمل بنفس طويل فيبني المساجد والمدارس ، ويعبر عن رفضه للاستعمار والاستبداد والرذيلة ، وقد نشرت أخيرا مجلة النيويورك تايمز تقريرا للمخابرات الأمريكية يؤكد هذا المعنى فهم يعتبرون أنه ليس هناك متطرف ومعتدل في الإسلام، فالإسلام كله تطرف ، وذلك لأنهم يرون الإسلام كما ذكرنا في مجموعة من القيم والمبادئ التي يجب اجتثاثها ، إذا فلما كانت حملة الاصلاح تستهدف المناهج التعليمية عمومًا والتعليم الديني بشكل خاص ، ذلك لعلمهم وإيقانهم بأن الدين الإسلامي هو المحرك الأساسي لنا ، وهو الرادع الذي يردع تحركاتهم ، ومحاولاتهم الفاشلة ، وبالتالي يحاولون إضعاف إيماننا ، ومنه إضعافنا والتمكن من السيطرة علينا .

ثانيًا :
إن تعميم حملة الإصلاح المتمثلة في مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط تعتبر أكبر دليل على عدم مصداقية دعوى الإصلاح التي تنادي بها أمريكا ، وأكبر دليل على النوايا السيئة ، وذلك لأن دعوتهم لإصلاح أوضاع الشرق الأوسط بهذا التعميم تستلزم إصلاح مجموعة من الدول والمجتمعات التي تشترك في أسس الفساد ، ومن ثم تشترك في طرق الإصلاح ، والسؤال الذي يكشف بطلان دعوى الإصلاح المزعومة هو هل تشترك دول الشرق الأوسط المتمثلة في العالمين العربي والإسلامي في أسس الفساد في الأصل ، حتى تشترك في الإصلاح ويجمعها مشروع واحد ؟! ثم إنه في الحقيقة لا توجد حقيقة وجدانية تسمى العالمين العربي والإسلامي وإنما هذه حقيقة وجدانية ، فهي عوالم ودول مختلفة ، وعندما يأتي الأمر للإصلاح بالتحديد ، فكل قطر له حالة مختلفة عن الآخر ، فنحن نتكلم هنا عن حالة فساد ومرض ، يمكن أن يكون لك أربعة أخوة مرضى ، غير أن مرضهم يختلف من واحد لآخر ، وكذلك بالنسبة لدول العالم العربي والاسلامي ، فلابد أن تدرس كل حالة على حدة ، ففي بعض الحالات نحتاج إلى إصلاح تعليمي ، وفي حالات أخرى نحتاج إلى إصلاح الاقتصاد قبل التعليم ، وفي حالات نحتاج إلى إصلاح النظام التشريعي والنظام الحاكم ، ولكن تقوم أمريكا بجمع آسيا الوسطى مع باكستان وأفغانستان وإيران ومع الخليج ومع شمال أفريقيا في مشروع إصلاح واحد ، هذا يبين ويؤكد أن المقصود من ذلك هي البنية العقلية الإسلامية ، فهم لا يريدون لطوفان الإسلام أن يتقدم ، ولا يريدون أن تنهض العزائم وترتقي الأفكار.
والخلاصة ، أن أمريكا وضعت لنفسها غاية ، وهي تغريب المجتمعات العربية والإسلامية ومسح قيمها ومبادئها الإسلامية ، ثم غلفت غايتها الفاسدة بغلاف نبيل وهو دعوى الإصلاح والقضاء على منابع الإرهاب، ولكنها فضحت نفسها بالوسيلة التي اتخذتها ، وهي مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط وإصلاح أوضاع الشرق الأوسط ، وكما بينا آنفًا فكيف لها أن تجمع الكل في مشروع واحد كما بينا ؟!

ثالثــًا:
إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية صادقة في دعوى إصلاح التعليم ، وصادقة في أنها تريد بذلك تجفيف منابع الإرهاب ، فلم لم نر منها حتى لفتة متواضعة إلى المناهج التعليمية اليهودية. إن المناهج اليهودية الإسرائيلية المتشددة التي يتربى عليها أبناء اليهود لا تزداد مع الأيام إلا قوة ، ولا مع الصراعات إلا تماسكاً وثباتاً وتطوراً إلى الأشد ، وهي في نفس الوقت تعتبر عند الأمريكان مناهج لا تولد إرهاباً أو عنفاً !
ولنقف سويًا للحظة نتفحص فيها حقيقة المناهج اليهودية :
جاء في كتاب “حول أدبيات التعليم والثقافة العبرية” للبروفسور أوميركوهين -أستاذ التربية في جامعة حيفا- موضوعاً بعنوان “وجوه قبيحة” يركز فيه مؤلفه على مسألة الصراع العربي الإسرائيلي في أدب الناشئة، واعترف النظرة تجاه الإنسان العربي نظرة مشوهة وعدائية لا تحمل أي احترام أو قيم. وقد تأثر الأدب الصهيوني الطفولي بالفكر الصهيوني العنصري القائم على القومية العرقية، والموغل في الاستعلاء المغلف بمفاهيم وتعاليم توراتية وتلمودية ، ولذلك فقد شرعت القيادة الصيهونية بتسخير أحلامها وتجنيد طاقاتها الفكرية لصياغة أدب جديد يلائم المرحلة القادمة ويرتكز على جانبين: الأول وهو الجانب الاستعلائي العرقي والثاني وهو الجانب الاستيطاني الاستعماري ، فأما الجانب الأول؛ فيعتبر الأدباء فيه أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وشعبها ليست له هوية، وأن سكانها بدو متوحشون، احتلوا البلاد وخربوها؛ لذا يجب أن يعودوا إلى الصحراء، وأن يستولي اليهود على الأرض، لذا فالحرب قائمة بين العرب واليهود إلى أن يتم طرد العرب الذين صُوروا بأقبح الصور، على أنهم قطاع طرق قذرون، ثيابهم رثة، ويمشون وهم حفاة على الأقدام ، وأما الجانب الثاني الاستيطاني الاستعماري؛ فينظر فيه إلى العرب والمسلمين على أنهم أشجار بلا جذور ، يتحتم اقتلاعها عاجلاً أو آجلاً، وأنهم عصابات سرعان ما يهربون من الأرض، وهذا عندهم دليل على عدم الانتماء إلى الأرض التي يعيشون فيها، لذا فإنهم مجرد لصوص يسرقون المياه من أرض الأمة العبرانية. وهناك العديد من القصص التي أُلفت للأطفال اليهود، هدفُها غسل أذهان أطفال اليهود، وتصوير المسلم والعربي بأنه قاتل مخادع، وبأن الجندي اليهودي مسالم لا يحب الدم والقتل، وإنما دفعه لذلك المسلم المتعطش للدماء والقتل. كما يُصورون المسلم للطفل اليهودي بأنه يمارس تجارة الجنس التي تنتهي عند التهريب والتخريب وخطف الطائرات. [انظر “مناهج التعليم الإسرائيلية والصراع العربي الإسرائيلي”، إعداد مركز دراسات الشرق الأوسط، الأردن، ومجلة البيان 190 جمادى الآخرة 1424 هـ[.

إن الشواهد تجمع على بطلان دعوى الإصلاح التي تنادي بها أمريكا ، وإن من الواضح أن هذه الدعوات هي دعوات وحملات تغريبية وتخريبية تستهدف بنية الفكر الإسلامي باعتبارها ثقافة راسخة في أذهان الناس وعقولهم ، وأن المقصود هو القيام بإعادة هيكلة الشخصية المسلمة حتى يتمكنوا من بناء مجتمعات مستغربة ذات هوية ضائعة واهتمامات تافهة تمكنهم من تحقيق مصالحهم في بلاد النفط من جهة ، وتحقيق أمن إسرائيل من جهة أخرى.

وحتى نتمكن من توضيح الصورة بدرجة أكبر ، لابد من تسليط الضور على تاريخ مشروع التغريب وحقيقته، فقد نشأت عند ساسة الغرب ومخططيه أيام الاستعمار بعد فشل بعض الحملات العسكرية فكرة شيطانية ، وهي أنه ينبغي أن تكون الجيوش الاستعمارية بعيدة عن المواجهات لأنها تثير ردود فعل عنيفة ، وأنه ينبغي عليهم أن يبذلوا الأسباب لتستسلم الأمم المسلمة للثقافة والحضارة الغربية بنفسها طواعية ، وبذلك نشأت فكرة التغريب ، وأساسها تذويب الشخصية المسلمة في الشخصية الغربية بحيث لا ترى إلا بالمنظور الغربي، ولا تعجب إلا بما يعجب به الغرب ، وتبتعد عن قيمها وعقائدها وأخلاقها المستمدة من شريعة الإسلام وتعتنق هذه الديانة الجديدة التغريبية ، وتدخل في عجلة الاستهلاك الاقتصادي التي يروج لها الغرب ، ويبين الدكتور محمد محمد حسين هدف فكرة التغريب في كتابه أزمة العصر قائلا: ” فبرامج التغريب تحاول أن تخدم هدفاً مزدوجاً ، فهي تحرس مصالح الاستعمار بتقريب الهوة التي تفصل بينه وبين المسلمين نتيجة لاختلاف القيم ونتيجة للمرارة التي يحسها المسلم إزاء المحتلين لبلاده ممن يفرض عليه دينه جهادهم ، وهي في الوقت نفسه تضعف الرابطة الدينية التي تجمع المسلمين وتفرق جماعتهم التي كانت تلتقي على وحدة القيم الفكرية والثقافية ، أو بتعبير أشمل وحدة القيم الحضارية” ، ويضيف الدكتور بأن التغريب يقوم على قاعدتين أساسيتين:
الأولى : اتخاذ الأولياء والأصدقاء من المسلمين وتمكينهم من السلطة ، واستبعاد الخصوم الذين يعارضون مشاريعهم ، ووضع العراقيل في طريقهم ، وصد الناس عنهم بمختلف السبل . أما القاعدة الثانية : التسلط على برامج التعليم وأجهزة الإعلام والثقافة عن طريق من نصبوه من الأولياء وتوجيه هذه البرامج بما يخدم أهدافهم ويدعم صداقتهم.
فهذا هو التغريب : أي تذويب الأمة المحمدية بحيث تصبح أمة ممسوخة : نسخة أخرى مكررة من الأمة الغربية الكافرة ، غير أن هناك فرق فالأمة الغربية هي الأمة القائدة الحاكمة المتصرفة والأمم الأخرى هي الأمم التابعة الذليلة المنقادة لما يملى عليها.

وحتى لا يُكشف أمرهم ، فباسم الإصلاح والتطوير ونحوها من الكلمات الجذابة والمصطلحات البراقة ، ترفع أمريكا ومن يتبعها من قوى الغرب لواء الإفساد ومشروع التغريب والتخريب ، وليس هذا بدعـًا من هؤلاء المتغربين والمتأمركين ، فلقد قال الله عن أسلافهم من قبل: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون). فترى نعيقهم يرتفع بأنه لابد أن يعترف المسلم بجود الطرف الآخر وأن يتعايش معه ، وهم في الحقيقة يريدون منا أن نعترف بسيطرة الآخر علينا وباحتلاله لأرضنا ، وإلا فنحن نعترف بوجود الآخر ، وأكبر دليل على ذلك أنك لو ذهبت إلى أي قطر إسلامي فستجد المسلم يعيش إلى جانب النصراني والبوذي والهندوسي واليهودي وغيره. ثم ينعقون بأن المرأة العربية يجب أن تأخذ حقوقها وأن نصف المجتمع لدى المسلمين معزول وفاقد للأهلية ويقبع خلف الأبواب ، وفي حقيقة الأمر هم يريدون أن يدمروا الأمة من خلال المرأة بجعلها داعرة والتجارة بها جنسيًا بما يتنافى مع الأخلاق والفطرة لتعاني المرأة المسلمة من نفس الآلام والأمراض التي تعاني منه المرأة الغربية، وقد صرحوا بذلك في مناسبات عدة قديمًا وحديثًا ، فها هو أحد ألد أعداء الإسلام يقول: ” كأس وغانية تفعلان في تحطيم الأمة المحمدية أكثر مما يفعله ألف مدفع فأغرقوها في حب المادة والشهوات”.

فهي كما ذكرنا عملية تغريب واستبدال ثقافي ، ومحاولة تجاوز الموروث الإسلامي وقبره كاملا ، وتبني شيء جديد أو بمعنى آخر الخروج من الهوية الإسلامية إلى هوية غربية مريضة ، وكل الشواهد تدل على ذلك كما قدمنا ، ولكن المشكلة والواقع الذي نراه أن النظم السياسية العربية معظمها إن لم نقل جميعها تسمتد شرعيتها من الخارج ، وهذه الأنظمة لا تستمر بتحقيق رضى الشعب وإنما بتحقيق رضى القوة الدولية المتحكمة في المنطقة ، فلذلك هي تستورد هذه العمليات التغريبية وتفرضها على شعوبها فرضًا.

فبعد أن كشفنا حقيقة المشاريع الأمريكية والغربية التغريبية ، بقي أن نبين موقفنا من الإصلاح ، فهل نحن مع إصلاح التعليم أم لا ؟ إن موضوع الإصلاح يحتاج معالجة خاصة ، لأنه من القضايا التي تعتبر ملغزة وشائكة ، وهي من القضايا ذات الحدين والوجهين ، فإذا اتخذت منها موقفًا ضد أو مع فأنت مدان في كلا الحالتين !، فإذا أنت اتخذت منها موقفا مع فقد ينظر إليه إليك على أنك تدعو إلى تفعيل الأجندة الأمريكية وإذا اتخذت منها موقفا ضد قد ينظر إليك على أنك من دعاة تكريس الواقع الفاسد في العالمين العربي والإسلامي ومن ثم تصب في مصلحة الأنظمة الفاسدة ، وخلاصة الأمر أننا ضد التغريب الذي يهدف إلى قبر الموروث الإسلامي وتغيير الهوية ، وفي المقابل فنحن مع إصلاح الأوضاع التعليمية الفاسدة ، ومع أي إصلاح يصب في تحقيق مصالح أمتنا العربية والإسلامية ويتوافق مع ثوابتنا ومبادئنا وقيمنا.

وقبل الحديث عن ما يجب إصلاحه لابد من وقفات هامة تصب في مصلحة الإصلاح التعليمي بشتى جوانبه:

أولا :
إن حديثنا عن الإصلاح يستلزم وجود حالة من الفساد ، ولذا قبل الحديث عن الإصلاح لابد أن نتحدث عن أسس الحال التي نحن عليها الآن ، وهل هي حالة فساد؟ وماهي الأسباب التي أدت إلى هذا الفساد؟ وماهي المحطات الكبرى لتطور هذا الفساد الذي حدث في مجتمعاتنا ، لابد أن تحدد هذه الأمور لأنها في غاية الأهمية، وما لم تعرّف حالة الفساد وما لم نجب على هذه الأسئلة سيكون الناس يتكلمون بحوار “الطرشان”، كل واحد يتكلم عن حقيقة في ذهنه ليست هي نفس الحقيقة التي في ذهن الآخر.

ثانيـًا :
من المفترض أن ينظر إلى الإصلاح وكأنه دوائر متداخلة ، بحيث تكون الهوية مركز للدوائر والثقافة كمحيط لها ، فالثقافة تتوسع وتتبنى أشياء جديدة ولكن دون أن يتغير المركز ، والمقصود هو أن يمس الإصلاح دوائر الثقافة بما سيحقق مصلحتنا وأمتنا ويبقى المركز الذي هو هويتنا العربية والإسلامية كما هو بلا مساس.

ثالثـًا :
بالرغم من أن جزء كبير من برامج الإصلاح مفروض علينا من الخارج ، ومع ذلك فنحن لا نرفض الإصلاح بكله ، فلسنا أقوام متحجرة نرفض كل ما يأتينا من الخارج لأن هذا التصرف غير عقلاني ، فالقضية ليست من الخارج فقط ، ونحن لا نرفض كل ما يأتينا من الخارج ، بل لابد من فحص هذا الذي يأتينا من الخارج ، ما مصالح القوى الخارجية فيه ؟! وما مصالحنا نحن فيه ؟! هل في هذا المفروض من الخارج ما ينافي نصوص شريعتنا ؟! هل فيه ما يقوض ويهدم ثوابتنا ومبادئنا وقيمنا ؟! هل سيؤثر ويزعزع من هويتنا العربية والإسلامية ؟! ثم بعد هذه الأسئلة نحدد ما نأخذ منه وما ندع .

رابعــًا :
يجب أن نحذر من خطورة التعليم العلماني الذي يفصل بين العلوم الدينية والعلوم الدنيوية ، والأصل أن تكون مترابطة ، يقول محمد إقبال رحمه الله “كان أبي يقول لي يا بني اقرأ القرآن وكأنما عليك أنزل” أما هذا النوع من التعليم العلماني فيقول لك اقرأ القرآن الذي أنزل منذ ألف وأربع مائة سنة وكأن الإسلام يغيب عن الحياة المعاصرة.

خامسًا :
إن التجارب تقول إن أفضل وسائل التعليم هي تحويل أي منظومة ثقافية إلى مجموعة من القيم ، فهناك قيم وظيفية نعلمها لأجيالنا ، وهناك قيم غير وظيفية نمنعها ، وهناك قيم ذات وجهين نحولها للوجه الوظيفي ، وهنا نجد القرآن الكريم يضع هذا بصورة واضحة لا تحتاج إلى شرح أو نقاش فتحول كل ما يتعلق بالتربية إلى منظومة قيم ، فالقيم بمعناها الواسع مثل قيمة العبادة والمراقبة الإحسان نحولها إلى قيم وظيفية كالإبداع والتفكير النقدي والفعالية إلى آخره.

سادسًا :
من الذي يجب أن يقوم بالإصلاح ؟ إن إيماننا بضرورة الإصلاح ، هو إقرار بوجود حالة من الفساد ، قام بها بعض المفسدون ، وهنا يسود تساؤل، هل يمكن عقلاً أن يقوم بالاصلاح من قام بالإفساد ؟! هل يمكن أن نعهد بالإصلاح للجهات نفسها التي كانت سببًا في الإفساد ؟! هل يمكن عقلا أن يتحول المفسد إلى مصلح ؟! إذاً ، فهنا تصبح عملية الإصلاح في غالب الأوقات تستلزم التغيير ، لأنه يستحيل عقلا أن نعهد بالاصلاح لنفس الكفاءات التي تحققت عليها حالة الفساد التي وصلنا إليها.

وبعد أن بينا هذه النقاط المهمة التي يجب أن تؤخذ بالحسبان ، سنذكر بعض ما نحتاج إلى إصلاحه في التعليم وذلك على سبيل المثال لا الحصر:

1. نحتاج إلى إصلاح التعليم بحيث يتكيف مع المتغيرات المتواصلة والسريعة على جميع المستويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتقنية ، ليس هذا فحسب ، بل لابد أن يتعلم أبناءنا المهارة والمعرفة اللازمة التي تبقيهم متوافقين مع هذه التغيرات السريعة.

2. نحتاج إلى تعليم يعزز الهوية العربية والإسلامية في نفوس أبناءنا ، يحفظ لهم موروثهم التاريخي والإسلامي ، ويرسخ فيهم المنهج الوسطي المعتدل بعيدًا عن الأفكار الإرهابية المتطرفة ، خاصة أن مجتمعاتنا تواجه الكثير من التحديات المتمثلة في الصراعات الدينية والعرقية والقومية والمصالح الاقتصادية والسياسية والاستعمارية والتآمر ، بل تواجه تحديات أبعد من ذلك وهي استغلال تلك الصراعات لتأجيج الارهاب والتطرف وخلط الأوراق.

3. نحتاج إلى تعليم يربي أبناءنا تربية عملية ويعلمهم المهارات والمعرفة اللازمة للحكمة والمواقف المعتدلة الوسطية اللازمة لجعل سلوكهم تعاونيًا سلميًا وميالا لحل النزاعات والصراعات الفكرية عن طريق الحوار ما أمكن.

4. نحتاج إلى تعليم يساعد ويضع الحلول في تقليل الفجوة بين الأغنياء والفقراء التي تتسع يومًا بعد يوم سواء كان ذلك على مستوى الدول أو حتى على مستوى المجتمع الواحد، وذلك أن المدارس والجامعات لها دور أساسي في الجهود المبذولة لتوسيع الفرص الاقتصادية والاجتماعية وخلق قوى عاملة ذات قاعدة أوسع وتعليم أفضل.

5. نحتاج إلى تعليم يعد الشباب إعدادًا علميًا وعمليًا ونفسيًا لسوق العمل المنتج ، ومواكبة المتغيرات المتسارعة التي تؤثر في العديد من المهن نتيجة للثورة المتسارعة في مجال التقنية وملحقاتها.

6. نحتاج إلى تعليم يعود أبناءنا على مهارات التعلم الذاتي والبحث العلمي ، فالتعليم في جميع مراحلة يجب أن يتحمل مسؤوليته لتزويد الفرد بالمهارات والحوافز الضرورية من خلال التعليم والتدريب المستمرين حتى يصل المتعلم إلى سن متقدمة ، نعم إن التعليم مدى الحياة سمة المجتمعات الناجحة والمنتجة ، ولذلك كانت المجتمعات الناجحة في القرن العشرين توصف بـ ” مجتمعات التعليم “.

7. نحتاج إلى تعليم يزرع في أبنائنا القيم الإسلامية ويؤكدها ، ويأخذ على عاتقه تربية النشء على حسن الخلق والأمانة والاستقامة والتمسك بالمبادئ السامية والبعد عن الجشع.

8. نحتاج إلى تعليم يعرف أبناءنا بالمؤامرات والخطط التي ترسم من حوله ، من حملات التغريب والعولمة والعلمنة والأمركة التي تهدف إلى استبدال الهوية العربية الإسلامية بهوية تتسق مع العولمة وفكرة زوال الهويات الجزئية والفرعية واعتماد ثقافة واحدة ولغة واحدة وهي ثقافة الغرب ولغة الغرب ، وأن يتعرف أبناءنا على ما يقصد بمسميات كثيرة مثل حوار الحضارات والإرهاب والتطرف وغيرها.

9. نحتاج إلى تعليم يعلم أبناءنا مهارات القيادة والعمل الجماعي ، ومهارات التفكير الناقد والإبداعي ، والابتكار والتجديد ، ومهارات الحوار البناء والنقاش المثمر ، وغيرها.

10. نحتاج إلى تعليم يقاوم فينا مظاهر الانبهار بالآخر ، ويقاوم فينا الخضوع للمستبد ، وشجع فينا رفض ومقاومة الاحتلال بكل أنواعه العسكرية والإعلامية والفكرية والتغريبيبة ، ويربينا على ثقافة العمل الجاد والتغيير وصناعة الإنجازات.

11. نحتاج إلى إصلاح مادة التربية الإسلامية بحيث لا يتم تناولها تناولا موضوعيا ، وإنما تناول قيمي يحاول أن يبني منظومة متناسقة من القيم ، تقدم بصورة عصرية سهلة وأدعى للفهم والتطبيق.

12. نحتاج إلى أن نربط جميع العلوم الأخرى بالدين لا كما يريد العلمانيون ، وأن نغرس في نفوس الأجيال أننا نتعلم هذه العلوم لنخدم ديننا ونعمر الأرض ونسود العالم كما أمرنا ربنا عزوجل.

13. نحتاج إلى تعليم يقوي من مهارات اللغة الإنجليزية ، وخاصة جانب المحادثة ، وذلك أن أغلب ما يعاني منه طلاب التعليم الثانوي هو صعوبة ربط الكلمات مع بعضها البعض لإخراج جمل مفيدة ، وكذلك يجب أن يتم تدريس المادة بأسلوب عصري تشارك فيه التقنيات وأساليب التدريس الحديثة بدلاً من أن يعكف الطالب سنوات ليحفظ مئات الكلمات دون أن يعرف كيفية توظيفها أو أن يتدرب على كيفية اجتياز الامتحان بنجاح دون تحقيق أي فائدة.

14. نحتاج إلى تعليم يهتم باللغة العربية بجانب الاهتمام باللغة الانجليزية ، ففي استبيان قمت بإعداده أجمع مدرسو اللغة العربية على أن 80% من طلاب المرحلة الإعدادية والثانوية لا يستطيعون تقديم جمل مفيدة باللغة العربية ، أضف إلى ذلك إلى أنها لغة القرآن الكريم ، وجميع كتب التراث الديني الأصيل قد كتبت باللغة العربية ، فضعف اللغة العربية سيترجم في المستقبل إلى ضعف الارتباط بالهوية العربية الإسلامية وهذا ما يرنوا إليه أعداء الإسلام.

15. نحتاج إلى تعليم يهتم بالموهوبين وأصحاب القدرات الغير اعتيادية ، ويشجع النشاط اللاصفي المتمثل في المشاركات التطوعية والنقابية ، ولاشك أن هذا الجانب له الدور الكبير في إعداد طلاب ذوي نزعات قيادية يستفيد منهم المجتمع والأمة على حد سواء.

وهنا ينتهي بنا المطاف مؤكدين ضرورة التصدي لحملات التغريب التي تستهدف هويتنا العربية والإسلامية ، وتود قبر موروثنا التاريخي والإسلامي ، وتعيد هيكلة الشخصية المسلمة حتى تكون تكرارًا للشخصية الغربية المريضة ، وكذلك في المقابل نؤكد أهمية الإصلاح النابع من الداخل والذي يحفظ لنا مركز الدائرة الهوية ، ويصنع لنا جيلا قادرًا محبًا للتغيير ، ومقاومًا للاستبداد والاحتلال بشتى أشكاله.

ولوجود التعليم الذي يؤدي رسالته ويحقق أهدافه ، لابد من تكاتف المدرسة أو الجامعة مع الأسرة والمجتمع والإعلام ، فمن غير المقبول أن يتعلم الطالب مبادئ وقيم في المدرسة فيرجع إلى المنزل ليقابل التلفاز ، ويقول له الإعلام بأن كل ما تعلمته في المدرسة خطأ ، ويقوم بهدم جميع المبادئ والقيم ، فيكون ناتج تضارب هذه الجهات الأربعة جيل مهزوز غير قادر على القيام بمسؤولية نفسه ناهيك عن مسؤليته تجاه وطنه وأمته.

بقلم / عبدالعزيز العبيدلي 

المراجع:
1. كتاب “نحو ثقافة إسلامية أصيلة” للدكتور عمر الأشقر
2. كتاب “أزمةالعصر” للدكتور محمد محمد حسين
3. كتاب “مناهج التعليم الإسرائيلية والصراع العربي الإسرائيلي” مركز دراسات الشرق الأوسط
4. مقالات سياسية وثقافية متعددة على شبكة الانترنت
5. محاضرة بعنوان “أساليب العلمانيين في تغريب المرأة” للدكتور بشر بن فهد البشر
6. مناقشة الموضوع في ملتقى طلبة الإمارات مع الأعضاء

إقرأ المزيد ...
تعليق واحد


التعليقات

طالبة إماراتية حتى النخاع
15 أغسطس 2008 - 12:31 ص

و المتأمل في مناهج التربية الإسلامية قبل سنتان على الأقل والآن يرى عجبا عجاب..خذ على سبيل ذلك منهج التربية الاسلامية للصف الثاني عشر:
1.آية بأكلما تتحدث عن الموالاة مع اليهود والنصارى حذفت بعد أن كانت نصا يُلزم الطلاب بحفظه!
2.درس عن الرسالات السماوية وهو أطول درس في الكتاب وكان آخر درس حذف ولا اثر له!
3. أحكام حرِّفت :كحكم طلاق السكران !
4. عبارت حذُفت رغم انها كانت مكررة في المناهج السابقة مثلا : جعل الله الطلاق بيد الرجل لأنه يتحكم بعقله بينما المرأة تحكمها العاطفة .
4. والطامة الكبرى :درس “الربا” حذف بالكامل ..ولايخقى عليكم معنى هذا الأمر ..!واستبدل بدرس “حب الوطن” >>صار منهج تربية وطنية مب إسلامية ..برأي عيب تعلوننا نحن الطلاب لماذا نحب وطننا وكيف ،نحن شربنا حب الوطن بالفطرة ولن نكتسبه بالتعلم !
صحيح أننا طلاب لكن نفهم ما يدور حولنا!
في النهاية أقول عقول أبنائكم أمانة !


أضف تعليقك:

الاسم :

البريـد :

الموقع :




أخبـار سابقـة:



الرئيسية   -   الأخبــار   -   ألبوم الصور   -   خدمة SMS   -   الاستفتاءات   -   سجل الزوار   -   مكاتب الاتحاد   -   اتصل بنا